فخر الدين الرازي

50

تفسير الرازي

والقول الثاني : في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات : أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات ، وجعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشراً سوياً ، وخلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته ، وعجائب خلقه ، وغرائب صنعه . فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن هناك قول باللسان ، ولذلك نظائر منها قوله تعالى : * ( فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) ومنها قوله تعالى : * ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) وقول العرب : قال الجدار للوتد لم تشقني * قال سل من يدقني فإن الذي ورايي * ما خلاني ورايي وقال الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام ، فوجب حمل الكلام عليه ، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين ، وهذا القول الثاني لا طعن فيه البتة ، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول : إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا ؟ فإن قال قائل : فما المختار عندكم فيه ؟ قلنا : ههنا مقامان : أحدهما : أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذر ؟ والثاني : أن بتقدير أن يصح القول به ، فهل يمكن جعله تفسير الألفاظ هذه الآية ؟ أما المقام الأول : فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها ، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع . أما الوجه الأول : من الوجوه العقلية المذكورة ، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن . قلنا : خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية . والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى ، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها . فإن قالوا : فإذا جوزتم هذا ، فجوزوا أن يقال : إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان ! قلنا : الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى ، وبقينا فيها سنين ودهوراً ، امتنع في مجرى العادة نسيانها ، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان ، وأقل وقت فلم